القاضي عبد الجبار الهمذاني

542

المغني في أبواب التوحيد والعدل

انتصافا للمظلوم من الظالم ، لأنه ليس للظالم في ذلك الفعل حق ، وإنما يبتدئه « 1 » تعالى ، فهو بمنزلة ما يتفضل به . وإذا لم يتضمن ذلك ما ذكرناه من الانتصاف ، فيجب أن يكون الحق على الظالم ثابتا . فإن قال : أليس في الظلمة من يقدم على قتل عظيم وغصب عظيم حتى يبلغ ما يأتيه المبلغ الّذي يعلم أن مثل عوضه لا يستحقه على اللّه تعالى . فإذا صح في مثله أن ينتصف للمظلومين منه ، فإنما يصح بما يتفضل به ، وفي هذا صحة ما قلناه . قيل له : قد بينا من قبل أنه لا يمكن القطع على / ذلك ؛ لأن قدر ما يلحق الظالم من الغموم والآلام والمصائب وأسباب الخوف يكاد نضبطه . وقد يجب العوض فيما لا نعلمه من ذلك ولا يضبط قدر ما يستحق به ، فلا يمتنع في القليل من ذلك أن يستحق به العظيم من العوض . وإذا صح ذلك ، فمن أين أنه لا بدّ من أن يتفضل تعالى بما يتم به انتصاف المظلومين منه ؟ فإن قال : فيجب فيمن لا عوض يستحقه على اللّه تعالى أن يكون ممنوعا من الظلم . قيل له : لا يجب ذلك ؛ لأنه وإن لم يستحق فيما مضى ، فقد يجوز أن يستحق فيما يستقبل . والمعتبر عندنا أن يرد الآخرة وهو مستحق الأعواض . ولا يوجب أن يكون ما يستحقه متقدّما لوقت ظلمه . فإن قال : لو وجب أن يكون له عوض ليصح أن ينتصف للمظلوم منه ، لوجب أن يكون استحقاقه له متقدّما ليصح منه تعالى أن ينتصف للمظلوم منه في كل حال بعد وقوع ظلمه . قيل له : إنما كان يجب ذلك لو لم يثبت للانتصاف وقت مخصوص . وأما إذا ثبت أن وقته الآخرة ، فلا معتبر إلا لما يتقدّمه فقط .

--> ( 1 ) أي يبتدئ الفعل .